سيدي سفير الولايات المتحدة الأميركية..
تكاد عيون المحامي أندرو سافاج تمتلئ بالدموع كلما شرح لي كيف يتم تعذيب موكله السيد علي صالح الكحلة المري والضغط عليه لكسر نفسيته وكرامته، فهو يتكلم بهدوء شارحا بيديه كل موقف يريد منا أن نستوعبه.
لقد قام السيد أندرو، بكل ما يستطيع لشرح ظروف اعتقال السيد علي المري، فهو قد تكفل شخصيا بالدفاع عنه تطوعا، وله سنوات على هذا المنوال، يصرف الكثير من الوقت والمال منافحا ومدافعا عنه، حتى إنه يشتري له اللحم الحلال من السوق ثم تقوم زوجته الرائعة بطبخه وترفقه ببعض الحلويات وتأخذها له، لقد أصبح للسيد علي المري عائلة في أميركا من حيث لا يحتسب.
خلال حديث السيد أندرو لي كنت على وشك أن أجهش بالبكاء حزنا على الشاب المعتقل، ولكني كنت آخذ نفسا قويا وأحاول أن أفكر في شيء آخر، فقد لاحظ الرجل ذلك وكان يغير الموضوع من حين إلى آخر تلطيفا للجو المشحون.
ذهب السيد علي صالح المري إلى الولايات المتحدة قبل يوم من 11 سبتمبر 2001، هذا اليوم المشؤوم الذي قلب الدنيا وكان سببا في سفك دماء الكثيرين بسبب أو بدونه. ثم بدأت مأساته عندما طرقت بابه مجموعة من رجال الأمن في 12 ديسمبر 2001، وأخذوه معهم تاركا خلفه زوجته وخمسة أطفال أصغرهم كان عمره ستة أشهر، وغاب عنهم منذ ذلك الحين بدون تهمة أو محاكمة.
تم نقل علي صالح من سجن إلى آخر بدعاوى عدة، تعرض خلالها للكثير من وسائل التعذيب والاستجواب، ومنع عنه الاتصال بالناس، حتى أصبح عرضة للهلوسة والشك وعدم التركيز بعد أن تم كسر نفسيته وفرض عليه نوع من العزلة الجبرية بمنعه من الحديث مع سجانيه ومنعه من قراءة الصحف وسماع الإذاعات ومشاهدة التلفاز.
لقد قضى علي صالح سنوات طويلة لم يلبس خلالها الحذاء ولم يعرف للدفء طعما، ولم ينم على فراش وثير ولم يأكل سوى الجاف البارد من الطعام، ولم يكن يعرف الوقت والزمن والتاريخ والاتجاهات، حتى تعاطف معه بعض سجانيه رأفة بحاله.
سيدي السفير.. أتمنى أن تقرأ رسالتي هذه وأن تتعاطف مع شاب لم يكن إرهابيا يوما ما، ولم يقتل أحدا، ولم تثبت عليه تهمه الإرهاب والقتل أو التخطيط لهما، فهل يأخذ القاتل معه عائلته المكونة من خمسة أطفال مع أمهم ليقوم بعملية إرهابية؟ وهل خلق علي صالح المري من حديد حتى يتحمل كل هذا التعذيب بدون أن يحصلوا منه على أي معلومة تدينه؟ وما هي الأعمال الإرهابية التي قام بها حتى يستأهل عزله عن العالم كل هذه السنوات بدون محاكمة؟
سيدي السفير.. لقد عشت في الولايات المتحدة لسنوات من حياتي، تركت فيها أصدقاء وزملاء وأحبابا ما زلت أذكرهم، أحببت في هذا البلد حريته وقوانينه وفرصه وأحلامه، أحببت فيه كل ما يحبه الحر في بلد، فلماذا يا سيدي السفير يتم بعثرة كل هذه الأمور وتشويهها في أذهان من يحبون أميركا؟
إن لعليّ عائلة تنتظره، عائلة كبر أطفالها ولم يعرفوه، وزوجة وأم وإخوة وأقارب ينتظرون عودته ليغسلوا حزنهم الطويل بدموع الفرح، ينظرون إلى ملابسه التي سيرتديها وفراشه الذي يرتب يوميا لعودته، ونعله الذي يوضع بالقرب من الباب حتى ينتعله فهو لم يعرف -لمدة تزيد عن سبع سنوات- كل هذا، إنهم يحلمون به يلاعب أطفاله ويضحك معهم، يحلمون بدخوله يوميا إلى داره.. فهل لك أن تساعدنا على تحقيق هذا الحلم؟
سيدي السفير..
استحلفك سيدي بكل المقدسات التي نؤمن بها، أن تعمل ما تستطيع لإطلاق سراحه أو أن تعمل على أن يحصل على محاكمة عادلة، فبأي قانون أو شريعة يحجز الشخص بدون محاكمة لسنوات طويلة؟ وتحت أي بند نستطيع أن نجد نصا يخول من يشاء برقاب من يشاء من خلق الله؟
إنني يا سيدي لم أقابل علي بن صالح من قبل، ولكني رأيته في عيون محاميه الذي أكد لي براءته، فهل تعتقد يا سيدي أن السيد أندرو سافاج سيدافع –متطوعا- عن إرهابي يريد تدمير بلده؟ وهل سيترك زوجته تطبخ له الطعام وتزوره في معتقله؟
سأقبل رأسك، إن عاد علي إلى بيته، سأقبله عرفانا مني بفضلك وبجهدك، نريد أن يكون علي بن صالح معنا عضوا فاعلا في مجتمعنا، مدافعا عن الحرية والكرامة الإنسانية التي كاد أن ينساها إن لم يكن قد نسيها.
عبدالعزيز آل محمود
رئيس تحرير العرب